خلاف أهل السنة مع مرجئة الفقهاء في أعمال القلوب | شبكة القل الإسلامية
في الموقع

قسم فريد يحتوي سور القرآن الكريم بأصوات العديد من القراء فتصفح واستمع و انشر كتاب الله وآياته ، فالموقع صدقة جارية

ساهم بنشر الموقع!

نتمنى منك مشاركة الموقع على شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بك و نشره بين أصدقائك كي تعم الفائدة في كل مكان و لك الأجر والثواب إن شاء الله

فتاوى عبد العزيز بن عبد الله الراجحي > خلاف أهل السنة مع مرجئة الفقهاء في أعمال القلوب

0.00

السؤال: هل خلاف أهل السنة مع مرجئة الفقهاء في أعمال القلوب أو الجوارح لفظيٌ أم معنوي؟
الإجابة: قال بعضهم: إن الخلاف بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة خلاف لفظي، وقال بهذا شارح الطحاوية ابن أبي العز رحمه الله، قال: “إن الخلاف بين جمهور أهل السنة وأبي حنيفة وأصحابه خلاف لفظي، والنزاع نزاع ٌ في أمرٍ اسمي لفظي لا يترتب عليه فسادٌ في الاعتقاد”، وقال: “إن الدليل على أن الخلاف بينهم لفظي أن كلاً من الطائفتين يقولون: الأعمال واجبة، وكلاً من الطائفتين يقولون: إن المسلم إذا فعل الواجبات أثيب عليها ومن ترك شيئاً من الواجبات أو فعل المحرمات فإنه يعاقب ويقام عليه الحد، ولكن النزاع بينهم في أنه هل هذا الواجب هو من الإيمان أو ليس بإيمان؟ قال بالأول جمهور أهل السنة، وقال بالثاني أبو حنيفة وأصحابه”.

ولكن عند التأمل والنظر لا يجد طالب العلم أن الخلاف لفظيٌ من جميع الوجوه، صحيح أنه لا يترتب عليه فساد في الاعتقاد لكن له آثار تترتب عليه، من هذه الآثار:

1 – أن جمهور أهل السنة وافقوا الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى فتأدبوا مع النصوص، ومرجئة الفقهاء وافقوا الكتاب والسنة معناً وخالفوهما لفظاً، ولا يجوز للمسلم أن يخالف النصوص لا لفظاً ولا معنى، قال الله تعال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}، فبين الله تعالى أن هذه الأعمال كلها من الإيمان، فوجل القلب عند ذكر الله هذا عمل قلبي، وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن عمل قلبي: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} عمل قلبي، ويشمل أيضاً أعمال الجوارح من فعل الأسباب والإنفاق مما رزقهم الله، كل هذه الأشياء سماها إيماناً، وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}، وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، وثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة”، وفي رواية البخاري: “بضعٌ وستون شعبة فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان”، فهذا من أقوى الأدلة في الرد على المرجئة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بضعاً وسبعين شعبة، ومثّل لقول اللسان بكلمة التوحيد على أنها من قول اللسان، ومثّل لعمل الجوارح بإماطة الأذى عن الطريق، ومثّل لعمل القلب بالحياء؛ لأن الحياء خلقٌ داخلي يحمل الإنسان على فعل المحامد وترك القبائح، فأعلى شعب الإيمان كلمة التوحيد وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة منها ما يقرب من شعبة الشهادة ومنها ما يقرب من شعبة الإماطة، فالصلاة شعبة والحج شعبة والزكاة شعبة والصوم شعبة وبر الوالدين شعبة وصلة الأرحام شعبة والجهاد في سبيل الله شعبة والأمر بالمعروف شعبة والنهي عن المنكر شعبة والإحسان إلى الجار شعبة، إلى غير ذلك من الشعب، فهذه كلها أدخلها النبي صلى الله عليه وسلم في مسمى الإيمان، فكيف يقال إن الأعمال خارجة عن مسمى الإيمان؟

وكذلك من أقوى الأدلة أيضاً على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان حديث وفد عبد القيس في الصحيحين وذلك أن وفد عبد القيس جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لن نخلص إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بأمرٍ فصلٍ نعمل به ونخبر به من ورائنا فقال صلى الله عليه وسلم: “آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خُمس ما غنمتم”، ففسر الإيمان بأعمال الجوارح، وهذا دليل واضح صريح على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.

فجمهور أهل السنة تأدبوا مع النصوص وأدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان، ومرجئة الفقهاء وافقوا النصوص في المعنى لكن خالفوها في اللفظ، ولا يجوز للإنسان مخالفة النصوص لا في اللفظ ولا في المعنى، بل الواجب موافقة النصوص لفظاً ومعنى.

2 – أن خلاف مرجئة الفقهاء مع جمهور أهل السنة فتح باباً للمرجئة المحضة الغلاة، فإن مرجئة الفقهاء لما قالوا: “إن الأعمال ليست من الإيمان وإن كانت واجبة” فتحوا باباً للمرجئة المحضة، فقالوا: “الأعمال ليست واجبة وليست مطلوبة” ولهذا قال المرجئة المحضة: الصلاة والصوم والزكاة والحج هذه كلها ليست بواجبة، ومن عرف ربه بقلبه فهو مؤمن كامل الإيمان ويدخل الجنة من أول وهلة، والأعمال ليست مطلوبة والذي فتح لهم الباب مرجئة الفقهاء.

3 – أن مرجئة الفقهاء باختلافهم مع جمهور أهل السنة فتحوا باباً للفُسَّاق والعصاة فدخلوا معه، فلما قال مرجئة الفقهاء: “إن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وهو التصديق وإيمان أهل الأرض وأهل السماء واحد”؛ دخل الفساق فيأتي الفاسق السكير العربيد، ويقول: أنا مؤمن كامل الإيمان!! إيماني كإيمان جبريل وميكائيل وكإيمان أبي بكر وعمر!! فإذا قيل له: كيف تقول إن إيمانك كإيمان أبي بكر وعمر وأبو بكر له أعمال عظيمة؟ قال: الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، أنا مصدِّق وأبو بكر مصدِّق، وجبريل مصدِّق وأنا مصدِّق فإيماني كإيمانهم، وهذا من أبطل الباطل، ولهذا جاء في الحديث: “لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح”، والمراد ما عدا الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكيف يقال إن الإيمان واحد وأن إيمان أهل السماء وأهل الأرض واحد؟!!

4 – مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو قول القائل: “أنا مؤمن إن شاء الله” فمرجئة الفقهاء يمنعون الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان شيء واحد هو التصديق، فيقولون: أنت تعلم أنك مصدِّق بالقلب، فكيف تقول: أنا مؤمن إن شاء الله؟ إذاًََ أنت تشك في إيمانك، ولهذا يسمون المؤمنين الذين يستثنون في إيمانهم الشكَّاكة، فأنت تعلم في نفسك أنك مصدِّق كما تعلم أنك قرأت الفاتحة وكما تعلم أنك تحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتبغض اليهود، فكيف تقول: “إن شاء الله”، بل قل: “أنا مؤمن”؛ اجزم ولا تشك في إيمانك.

وأما جمهور أهل السنة فإنهم يفصِّلون فيقولون: إن قال القائل: “أنا مؤمن إن شاء الله” يقصد الشك في أصل إيمانه فهذا ممنوع؛ فأصل الإيمان التصديق، وأما إن نظر إلى الأعمال والواجبات التي أوجبها الله والمحرمات التي حرمها الله ورأى أن شعب الإيمان متعددة والواجبات كثيرة فالإنسان لا يزكِّي نفسه ولا يقول بأنه أدّى ما عليه؛ بل يتهم نفسه بالتقصير ويزري على نفسه فإذا قال: “أنا مؤمن إن شاء الله” فإن الاستثناء راجع إلى الأعمال، فهذا لا بأس به بل حسنٌ أن يقول: “إن شاء الله”، وكذلك إذا أراد عدم علمه بالعاقبة وأن العاقبة لا يعلمها إلا الله فلا بأس بالاستثناء، وكذلك إذا أراد التبرك بذكر اسم الله فلا بأس.

فهذه من ثمرات الخلاف وإن كان لا يترتب عليه فساد في العقيدة ولكن هذه ثمرات تدل على أن الخلاف ليس لفظياًََ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع رسالة الإسلام على شبكة الإنترنت.
المفتي : عبد العزيز بن عبد الله الراجحي – المصدر : موقع طريق الإسلام


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ابحث في شبكة القل

اشترك بالقائمة البريدية


يمكنكم الاستفادة من محتوى الموقع لأهداف بحثية أو دعوية غير تجارية جميع الحقوق محفوظة لشبكة القل الإسلامية © 2017 م